المرابحة هي بيعٌ يُفصح فيه البائع للمشتري عن التكلفة الحقيقية التي دفعها في السلعة، ثم يضيف عليها ربحاً معلوماً متّفقاً عليه، مبلغاً مقطوعاً كان أو نسبة. فإن باع بثمن جملة دون ذكر التكلفة فليست مرابحة، بل «مساومة». هكذا يعرّفها المفتي محمد تقي عثماني في كتابه «مقدمة في التمويل الإسلامي».
لماذا المرابحة بيع وليست قرضاً؟
لأن محلّها سلعة، لا نقود. القرض بفائدة يعطيك مالاً وتردّ أكثر منه، والزيادة مقابل الأجل وحده. أما المرابحة فالمموّل يشتري السلعة فعلاً، ويملكها، ويتحمّل خطر هلاكها ولو لوقت قصير، ثم يبيعها لك بثمن مؤجّل. الربح هنا ثمن بيع، لا ثمن انتظار.
ولهذا يقرّر عثماني قاعدة صريحة: لا تصلح المرابحة إلا حيث يحتاج العميل مالاً ليشتري سلعة بعينها. أما من أراد سداد فاتورة كهرباء أو رواتب موظّفيه، فلا مرابحة له، لأن المرابحة تقتضي بيعاً حقيقياً لا مجرد تسليف.
ما الشروط التي لا يصحّ البيع بدونها؟
قبل الحديث عن التمويل، يضع الكتاب ثلاثة شروط لأي بيع صحيح: أن تكون السلعة موجودة وقت البيع، وأن تكون مملوكة للبائع، وأن تكون في حيازته حقيقةً أو حكماً. ومثاله البسيط: من باع سيارة يملكها غيره وهو يأمل شراءها لاحقاً، فبيعه باطل.
والحيازة الحكمية أن تصير السلعة تحت تصرّف البائع وتنتقل إليه تبعاتها ومخاطرها، ولو لم يقبضها بيده. هذا الفرق الدقيق هو ما يجعل المرابحة المصرفية ممكنة أصلاً.
كيف تُنفَّذ المرابحة في التمويل عملياً؟
يشرح الكتاب خمس مراحل متتابعة: يوقّع الطرفان اتفاقاً عاماً بوعد بالبيع ووعد بالشراء؛ ثم يوكّل المموّلُ العميلَ ليشتري السلعة نيابة عنه؛ فيشتريها العميل ويقبضها بصفته وكيلاً لا مالكاً؛ ثم يُخبر المموّل ويعرض عليه شراءها؛ فيقبل المموّل، فينتقل الملك والخطر إلى العميل بثمن مؤجّل.
ويلاحظ عثماني أن الأفضل شرعاً أن يشتري المموّل السلعة بنفسه من المورّد مباشرة، فتسقط مرحلة الوكالة. والوكالة رخصة عند تعذّر الشراء المباشر، لا أصلاً يُبنى عليه.
أين تفسد المرابحة فتعود ربا؟
هنا بيت القصيد. يقول الكتاب إن أهمّ عنصر في المعاملة كلها هو أن تبقى السلعة في ضمان المموّل في الفترة بين شرائه لها وبيعه إياها للعميل، وإنّ هذه هي الميزة الوحيدة التي تفصل المرابحة عن المعاملة الربوية، فتجب مراعاتها مهما كلّف الأمر.
ويضيف شرطاً ثانياً: أن تُشترى السلعة من طرف ثالث. فلو اشتراها المموّل من العميل نفسه ثم أعادها إليه بثمن أعلى مؤجّل («بيع العينة»)، فليست المعاملة إلا قرضاً بفائدة بثوب بيع.
مثال من الحياة
خالد يريد ثلاجة بثلاثة آلاف. لو أعطاه المموّل ثلاثة آلاف نقداً ليردّ ثلاثة آلاف وأربعمئة، فتلك فائدة. أما في المرابحة فالمموّل يشتري الثلاجة بثلاثة آلاف، وتصبح في ملكه وضمانه، ولو احترقت في المستودع قبل تسليمها فالخسارة عليه هو. ثم يبيعها لخالد بثلاثة آلاف وأربعمئة مقسّطة. الرقم متشابه، والعقد مختلف تماماً، لأن أحدهما ربح على سلعة تحمّل صاحبها خطرها، والآخر زيادة على دَين.
بالأرقام
٣ شروط لا يصحّ بيع بدونها: الوجود والملك والحيازة. ٥ مراحل لازمة لصحّة المرابحة التمويلية. مرحلة واحدة هي الفيصل: بقاء السلعة في ضمان المموّل. ويذكر الكتاب أن معظم عمليات التمويل في المصارف الإسلامية تقوم على المرابحة، حتى صار الاسم في الأذهان مرادفاً للتمويل، مع أن أصله في الفقه مجرّد بيع.
ما علاقة هذا بقسط والأصول الرقمية؟
مشكلة المرابحة المصرفية أنها ورقٌ يصعب التحقّق منه: هل ملك البنك السلعة فعلاً؟ متى؟ ولمن كان الضمان بينهما؟ العميل يوقّع ويثق. على شبكة Base، تتحوّل هذه الأسئلة إلى وقائع مسجّلة: لحظة تملّك الأصل، ثمنه، الربح المتّفق عليه، وجدول الأقساط، كلّها مكتوبة في عقد يقرأه أي طرف بنفسه دون أن يطلب كشف حساب من أحد. هذا ما تبنيه قسط: مرابحة يمكن التحقّق من كل خطوة فيها بدل مرابحة تُصدَّق على عهدة موظّف.
والوحدة القادمة من السلسلة تعود إلى البتكوين: المفاتيح والعناوين — من يملك ماذا، وكيف تُثبت الملكية بلا سجلّ مركزي.
المصادر
هذه الوحدة مبنية على أفكار فصل «Murabahah» وقواعد البيع التي تسبقه من كتاب An Introduction to Islamic Finance للمفتي محمد تقي عثماني (مكتبة معارف القرآن). الأفكار معاد صياغتها بأسلوب مبسّط مع النَسب الصريح للمؤلف، والحكم الشرعي في النوازل مرجعه أهل الاختصاص.
أسئلة شائعة
هل المرابحة مجرّد فائدة بأسماء أخرى؟
لا، ما دام المموّل يملك السلعة ويتحمّل خطرها فعلاً قبل بيعها. فإن سقطت هذه الخطوة صارت المعاملة قرضاً بفائدة، وهذا ما يشدّد عليه عثماني.
لماذا يكون ثمن المرابحة أعلى من ثمن النقد؟
لأن البيع مؤجّل والبائع تحمّل تكلفة وخطراً. الزيادة ثمن بيع يُحدَّد مرة واحدة ولا يتغيّر بعد العقد، لا زيادة تتراكم على دَين.
هل يجوز أن أكون أنا من يشتري السلعة؟
يجوز بصفتك وكيلاً عن المموّل عند تعذّر الشراء المباشر، على أن تشتريها باسمه وتبقى في ضمانه حتى تشتريها منه بعقد جديد.
هل تصلح المرابحة لتمويل الأصول الرقمية؟
الصيغة تشترط سلعة حقيقية تُملك وتُقبض ويُتحمّل خطرها. تطبيقها على أصل رقمي يتوقّف على تحقّق هذه الأوصاف فيه، والفتوى لأهلها.
فهرس سلسلة «العلم نور» · ← كيف يعمل البتكوين؟ رحلة معاملة واحدة
آخر تحديث: 2026-08-06